التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستثمار في البنية التحتية

 


من وجهة نظر المتخصصين في تخطيط المُدن، فإن الاستثمار في البنية التحتية بمختلف مكوناتها يُعتبر مصدراً قوياً للدخل بالنسبة للحكومة المحلية أو الطبقات الحكومية الأخرى (الإقليمية أو الوطنية)، لذلك فإن الدول تبحث دائماً عن السبل التي تستطيع من خلالها توفير الخدمات لمختلف الشرائح من مواطنيها، سواء كانوا المواطنين الأفراد أو الأعمال أو المؤسسات بمختلف أنواعها.

ولكن هنالك الكثير مما يقبع تحت هذا المسمى: البنية التحتية، وفي الوقت الذي يُمثل فيه معظم هذه الأنواع من الخدمات مصدراً جيداً للدخل، فإن بعضها يُعتبر فقط استثماراً لا يعود بالربح المادي على الحكومات، ولكن الاستثمار فيه يكون من منظور الاستخدام الأمثل لأموال دافعي الضرائب. على سبيل المثال لا الحصر، فإن المواصلات العامة أو ما يُعرف باللغة الإنجليزية بـPublic Transport، وهو أحد تطبيقات النقل الجماعي Mass Transit، فهذا النوع من أنواع الخدمات التي تُصنف من استثمارات البنية التحتية، فهو مُكلف جداً، ولا يعود بالكثير من الأرباح (إن كانت هناك أرباح) على الحكومة، وذلك لأن مصروفاته التشغيلية قد تتجاوز في معظم الحالات عوائده، ولكن نجد الكثير من الحكومات تقوم بالاستثمار في هذا النوع من خدمات البنية التحتية لما فيه من فوائد جانبية، مثل تقليل التلوث والحفاظ على البيئة، وكذلك المحافظة على الطرق من الاستهلاك وبالتالي زيادة متوسط أعمارها. ومن هنا نستنتج أن الاستثمار في مثل هذه الخدمات قد لا تكون له عوائد مباشرة، ولكنه يوفر الكثير على خزانة الحكومة من جوانب أخرى.

النوع الآخر من الاستثمارات في البنية التحتية هو ما يُعرف بالتهيئة العمرانية أو الحضرية، وهو بأن تقوم الحكومة بوضع خطة متكاملة والمضي بتنفيذها لحث المواطنين بمختلف شرائحهم على استصلاح الأرض وفق استخدامات وخدمات تقدمها الحكومة، وهذا يفرض على الحكومة تحديد استخدامات الأراضي وما يُعرف بالحق العام، وتخطيط وتنفيذ الخدمات من مرافق مختلفة لاستخدامها مباشرة من المواطنين، والمرافق تشمل ما يُعرف اصطلاحاً بالشبكات الثلاثة: الوصول والطاقة والمياه (الوصول تشمل الطرق والمواصلات واستخدام الأراضي، الطاقة تشمل الكهرباء والاتصالات، والمياه تشمل التزويد والتصريف)، وهذا يضمن للحكومة حدوث توسع ممنهج ومدروس للحاضرات والتجمعات وفق استخدامات تحددها الحكومة، كما يضمن كذلك التوظيف المناسب للخدمات من قبل المواطنين واستخدامها بما يعود على الحكومة بعوائد مالية مربحة، مما يحقق استرجاع رأس المال بشكل مباشر من المشروع (لا من جباية الضرائب)، بالإضافة إلى تحقيق أرباح تضمن المحافظة على الخدمات واستدامتها من خلال الصيانة الدورية المخططة بشكل جيد، ومشاريع التوسع والتحسين والتطوير للخدمات والمرافق.

نوع ثالث من الاستثمار في البنية التحتية على المستوى الإقليمي والوطني، وهو الاستثمار في البنية التحتية على هذا المستوى، وأهم أمثلة يُمكن الإشارة لها هنا هي: الطرق الرابطة بين المدن وتوليد الطاقة على المستوى الوطني، وفي هذا النوع بالتحديد؛ فإن الطاقة في حالة الاستثمار فيها من قبل الحكومة الوطنية، فإن الحكومة الوطنية تقوم ببيع هذا المنتج (الطاقة الكهربائية المولدة من محطة توليد كهرباء مملوكة من قبل الحكومة الوطنية) للحكومات المحلية أو الإقليمية، والتي بدورها تكون مسؤولة عن توزيع هذا المنتج وبيعها بشكل مباشر للمواطن على اختلاف استخداماته، وهنا نجد الفصل بين الأدوار المختلفة التي تلعبها المستويات المختلفة للحكومات أو الإدارات المحلية والإقليمية والوطنية، وبالتالي تتحول الحكومات إلى زبون ومزود خدمة، وكل منهم يكون حريصاً على جودة المنتج والخدمة قبل أن تصل للمستخدم النهائي، الذي يُصبح في هذه الحالة: المواطن؛ وسنرى بهذه الطريقة الكثير من التحسينات على جودة المنتج. كما يُمكن للحكومات المحلية والإقليمية الاستثمار في مثل هذه الخدمات بأن تقوم بإنشاء محطاتها أو مشاريعها الخاصة لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها، وتقوم في هذه الحالة بالقيام بدور مزود الخدمة، وهنا يتفرع الأمر لمسائل أخرى مثل: طريقة توليد الطاقة الكهربائية، أنواع ومصادر الوقود، العلاقة بين مستويات الحكومة المختلفة والحوكمة والترشيد والتنسيق فيما بينها (أمور نتطرق لها في مقالات أخرى).

النقطة الأخيرة التي سأتطرق إليها في هذه المقالة هي مسألة الاستثمار المستدام، حيثُ أن الحكومات بمختلف مستوياتها يجب أن تُراعي في استثماراتها في البنية التحتية أن تكون هذه الاستثمارات مستدامة، وأن تستند خططها على مراعاة متوسط عمر الخدمة، ومعامل التلف أو الانحدار، والصيانة الدورية وتكلفتها Upkeep Costs، والتطوير الكامل للخدمة والتوسعة، كل هذه العناصر يجب أن تتم دراستها مسبقاً ودراسة السيناريوهات المختلفة لما ستؤول إليه هذه الخدمات في المستقبل، بل محاكاتها ومحاكاة الحلول المختلفة بفرضيات متنوعة وحلول مخططة مسبقاً.

وإلى لقاء آخر.

#سلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التحول الرقمي: القواعد الأساسية

التحول الرقمي يمثل نقلة نوعية في كيفية إدارة العمليات والخدمات في المؤسسات، حيث يتجاوز مجرد استخدام التكنولوجيا لتشمل إعادة تصميم العمليات والبنية التحتية بأسلوب يعزز الكفاءة والابتكار. ومع ذلك، يواجه العديد من المشاريع تحديات في تحقيق تحول رقمي حقيقي، إذ تقتصر جهودها على تحديث المظاهر الخارجية دون معالجة جذور المشكلات الأساسية، وهو ما يُعرف بالتحول الرقمي المقنع. يمثل هذا الفشل في التخطيط والتنفيذ عقبة أمام تحقيق الأهداف الاستراتيجية. لفهم أعمق لهذا الموضوع، نناقش القواعد الأساسية للتحول الرقمي ونحلل تجارب ناجحة وأخرى محدودة من منظور متقدم. القواعد الرئيسية للتحول الرقمي: البنية التحتية الرقمية المتكاملة: يُعد إنشاء بنية تحتية متكاملة ومرنة الأساس لأي تحول رقمي ناجح. يعتمد ذلك على ربط قواعد البيانات والأنظمة بشكل يتيح تبادل البيانات بسلاسة بين الجهات المختلفة. مثال: خدمات المصارف التي تتصل بأنظمة الأحوال المدنية والجوازات لتوفير عمليات تحقق فورية، مما يحد من الإجراءات الورقية ويوفر تجربة سلسة للمستخدمين. هذا التكامل يعزز الكفاءة ويقلل من التكاليف التشغيلية، مع ضمان قابلية التوسع لتلبي...

الأسس والقواعد الرئيسية لـ TVET

  يُعتبر التعليم الفني والمهني (TVET - Technical and Vocational Education and Training) أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول في بناء اقتصادها وتطوير قدراتها البشرية، خاصة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم مع الثورة الصناعية الرابعة. يهدف TVET إلى تقديم تعليم عملي ومهارات تقنية ومعرفية تناسب احتياجات سوق العمل وتلبية متطلبات التنمية المستدامة . في هذا المقال، سنستعرض الأسس والقواعد الرئيسية لـ TVET بطريقة بسيطة ومفهومة، مع التركيز على العناصر الأساسية التي تجعل هذه النوعية من التعليم فعّالة ومهمة . الأسس النظرية لـ TVET أ. الربط بين التعليم والعمل : واحدة من أهم أسس TVET هي الربط المباشر بين التعليم والعمل. يتم تصميم البرامج التعليمية لتوفير المهارات العملية والمعرفية التي يحتاجها سوق العمل. على سبيل المثال، إذا كانت صناعة السيارات تحتاج إلى مهندسين متخصصين في الذكاء الاصطناعي، فإن برامج TVET ستقدم دورات تدريبية موجهة لهذا المجال تحديدًا . ب. التركيز على المهارات التطبيقية : على عكس التعليم الأكاديمي التقليدي الذي يركز على النظريات والمعارف العامة، يركز...

تحليل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 392 لسنة 2024 بشأن حل بعض الأجهزة وانهاء شخصيتها الاعتبارية

في خطوة هامة نحو تحسين أداء المؤسسات الحكومية، أصدر رئيس مجلس الوزراء الدكتور أسامة حماد قرارًا رقم 392 لسنة 2024 بحل كل من "جهاز تنمية وتطوير المدن" و"جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية " (ODAC) و"هيئة المشروعات العامة"، على أن يتم إسناد تبعيتها لصندوق تنمية وإعادة إعمار ليبيا (LDRF). ويأتي هذا القرار في وقت يتطلب فيه الوضع الاقتصادي الليبي إعادة هيكلة للجهات الحكومية والاعتماد على الكيانات التي تتمتع بالمرونة والكفاءة في تنفيذ المشاريع الوطنية .   أهداف القرار وأثره الإيجابي : 1.       تحسين كفاءة إدارة المشاريع : إن إسناد مسؤولية هذه الأجهزة إلى صندوق تنمية وإعادة إعمار ليبيا سيسهم بشكل كبير في تحسين الكفاءة في إدارة المشاريع العمومية، خاصةً تلك التي تتعلق بالبنية التحتية والمشاريع التنموية. فالصندوق يتمتع بخبرة واسعة في هذا المجال ويمكنه تنسيق العمليات بين هذه الأجهزة بشكل أكثر فاعلية، وبالتالي تحسين وقت التنفيذ وتقليل الفاقد من الموارد . 2.       ترشيد الإنفاق العام : يهدف القرار إلى تحقيق ترشيد في الإنفاق الحكومي، وذل...